• الخميس 26 جمادى الأولى 1438هـ - 23 فبراير 2017م
2017-02-23
خميسيات
2017-02-22
أسَرّتُنا أسرارنا.. والمهاجع مخادع
2017-02-21
بين نفطر.. ونتريق
2017-02-20
يوميات شيخوختنا المتخيلة «2»
2017-02-19
يوميات شيخوختنا المتخيلة «1»
2017-02-18
ثقافة النخلة.. وما تساقط منها!
2017-02-17
تذكرة.. وحقيبة سفر
مقالات أخرى للكاتب

تذكرة.. وحقيبة سفر

تاريخ النشر: الجمعة 15 يناير 2016

كنت أتهيب الذهاب للقاهرة بعد كل هذه الأحداث، لا لشيء، إنما كنت وجلاً أن لا أجدها كما تركتها آخر مرة.. لكن ميزة المدن الكبيرة أنها تلقي بثقلها عليك، فلا ينبغي أن تكون في القاهرة، ولا تتحمل ثقلها التاريخي والفكري والفني والسياسي، هكذا هي المدن التي تشبه الأم، أو تشبه العمة في حين من الأوقات، تجدها بعد الغياب تخبئ لك كتاباً، أو تدلّك على مكان لم يعرفه العابرون بعمق، أو تأخذ عقلك إلى مناطق الأسئلة الحياتية الملحّة أو تحفظ لك خلاصتها من الأشياء، أو تقول لك: قف! هنا بكى فنان رسام، وهنا كان الشاعر صادقاً حتى الوجع.. وهنا وقف سياسي مع لقمة الناس، وهنا مرّ نبي، هنا فتحت المدينة أبوابها وقلبها لك تاركة لك حرية الدخول بحجمك وغطرسة معرفتك، أنت المثقل بكل شيء، هنا حملت نعش صديق صدوق لك، وللمدينة المخلصة، وهنا ودعت غريباً، وهنا التقيت بجميل، وهنا كانت مقبرة المجنحين إلى الأذى!

لماذا تحضك بعض المدن على الكتابة وعلى الأسئلة؟ لماذا تجعلك بعض المدن تخفف من أحمالك وتلبسك أسمالها؟ ترفعك إلى مقام أسيادها وحضرة أوليائها، تحملك أوزار حبها وتعب عشقها، غاية المدن الجليلة أن لا تسمح لك بالعبور هكذا.. تذهب إليها قاصداً فرحها وألقها، وتكون هي حاضرة بكل أرقها ووجعها، وبكل الذكريات التي استودعتك إياها في لحظة اللقاءات الكثيرة والسريعة.

يلتقيك أهلها فلا يعرفون كم أنت كلِف وشغِف بها، وكم كانت مسافرة في الرأس كل هذا الوقت، وكم كنت غارقاً فيها ومغرماً بها، لا تتساوى الأشياء ولا يتساوى أهلها فالروح غير عودة الروح، وكل هذه الثرثرة حملها نهرها وطمي نيلها وفصاحة فلاحها، كانت تسقي وأرضها عطشى، تمنح وبهية تشقى، كانت الدفء والملاذ حين تضيق الأرض بما رحبت على بعض العباد، كانت عيناً من سهاد وعيناً على البلاد، شمسها ونورها ودين أهلها ودم ابنها.. كلها قلائد في العنق وأساور في اليد.

عادة القاهرة أن تلقي على زائرها فيوض المعرفة، وفيء المحبة، فلا تستطيع أن ترد الدين، ولا يكفي المعروف.. غير أن تنذر كل هذا الحب لها، وتحفظ الجميل كوشاح أخضر، قد تعصب به رأسك يوماً، ذكرى لمدينة غالية علمتك شيئاً، وألقت بثقلها عليك مرة، متعشمة فيك هيبة الرجال، ونبل الفرسان، فلا تقدر أن تودعها من دون أن تقرأ الفاتحة لروح ذلك الرجل الذي قُدّ من كبرياء، وعز العرب!

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل تحد السياسات الأميركية الجديدة من الهجرة العربية للغرب عموما؟

نعم
لا