• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م
2016-12-10
يشبهون أبوابهم.. وتشبههم
2016-12-09
تذكرة.. وحقيبة سفر
2016-12-08
خميسيات
2016-12-07
التنسك في الألوان
2016-12-06
معانٍ من السعادة بسيطة
2016-12-05
ساعات ضائعة من عمرها
2016-12-04
نوبل.. تلك النافذة الكبيرة
مقالات أخرى للكاتب

تذكرة.. وحقيبة سفر

تاريخ النشر: الجمعة 13 مايو 2016

زرت الأندلس للمرة الأولى، يافعاً، لكنها كانت تنبرئ لي حلماً متخيلاً، ومن قراءات قادرة أن تسافر بك إليها بعيداً، أو تضعك بين طرقاتها فجأة، وأنت تتبختر بتلك الملابس المزركشة، وعمامة منسدلة، يتدلى في منتصفها حجر كريم، ربما تتأبط كتاباً، وفي محفظتك ريشة أو قصبة ومحبرة، تدلف لحانوت أحد الورّاقين، وربما سألته عن كتب، وصلت حديثاً من بغداد، وقد تصادف البزّاز مسرعاً، يتلهف وصول قافلة، جالبة حرائر من الصين، ومن دمشق، فتغمزه أن يخبئ لك شيئاً مما عنده، يكتفي بإشارة من يده، تضحك من طبع التجّار، وتقول: سكّير قرطبة، هذا الدرويش الفاني، المتفاني، يفقه في الحياة أكثر من ذاك المهرول، المكتنز الذهب والمال، تدسّ في يده قطعة فضية، وتخشى خجلاً النظر لوجهه، وهو يتمتم بالدعاء، يكون نهارك الأندلسي يسير بالخير، وتتبع ظل الخير، فالحياة قادرة أن تمضي دونما أي ضجر، ويمكن أن نسيّرها بلا ضغائن، يلين قلبك لمرأى جاريات يتضاحكن بعد أن أودعن أنفك شيئاً من عطرهن البارد، ومضين، تستريح من مشيك في ذلك البازار، ومن ضجيج باعته، والمنادين، تستفيء ببرد شجرة سفرجل أو أترنج، الطارحة عناقيدها الخضراء والصفراء والشمسية، تجد غرباء، وطلاّب علم قاصدين، وسائلين عن قصر الخليفة، فتدّلهم على طريق النهر، وتلك القنطرة الحجرية، الموصلة إلى هناك، تعاود السير، ويلحق بك أجيرك بالخيل عند دكان العوّاد الذي يوزع الضحكات والنوادر من طالع صبحه، هكذا وهنا يجدك من ضيّعك، تنطلقان سوياً بعد أن خالطتما الضحك بالسياسة، بحال الناس، وبالصلاة جماعة إلى بستان أحد الأصدقاء، فالغداء والغناء في تلك الرابية، تظللكم عروش العنب، وتسحركم مباسم ريّانات العود، والغصن الرطيب.

حين تخرج من حلم القراءة والتمني ذاك، وتطأ قدماك الحافية قرطبة، تدمع العين، وينقبض القلب، وتشعر بتلك الوحدة الظالمة، وحين تأخذك حواريها، ورائحة الياسمين تتبعك، تثقل القدم، تتوقف عند أبوابها الخشبية، وألوان الجدران البيضاء، المحلاة بالأزرق النيلي، هنا المدرسة، وتلفظ عربياً بلكنة قشتالية، وهنا السوق الكبير، وهناك مسجدها، فتخون بك رُكبك، ولا تقوى على المسير، تجلس بجانب خطاط، ينقش الحرف الأندلسي القديم، فتفرح، لكنه لا يعرف العربية، تتعجب، فلا تفارقه، وحين يهلّ قصته المنحدرة من آخر الموريسكيين، وأن جده السابع عبد الرحمن، وكان من أمراء الطوائف، واليوم هو يطوف قرطبة هائماً، يعرف بيته، ولا يقدر أن يدخله، يجلس بباب المسجد، ولا يصلي فيه، هنا قلت: هذه الأندلس.. خذني من الحلم أو ردّني إليه..!

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا