• الأحد 28 ربيع الأول 1439هـ - 17 ديسمبر 2017م
2017-12-17
على مثله تنوح النائحات
2017-12-16
تذكرة.. وحقيبة سفر - 2
2017-12-15
تذكرة.. وحقيبة سفر -1-
2017-12-14
خميسيات
2017-12-13
خذوا الحكمة من الصين
2017-12-12
المصداقية أم الشفافية
2017-12-11
«مندوس الصَرّتي»
مقالات أخرى للكاتب

طاولة الطعام·· تلك الكتلة

تاريخ النشر: الخميس 26 أبريل 2007

تبدو علاقة الإنسان بطاولة الطعام قديمة، لكنها علاقة تشبه علاقة الزوج بحماته، ثمة محبة، وثمة مودة غير ضرورية، لكنها لا ترقى إلى الحب، وهكذا طاولة الطعام، هي ضرورية في البيت وتقيم هذا التوازن الضائع، لكن ما إن تستقر في مكانها لا يتذكرها أحد إلا في المناسبات وحين يبدو التفاخر الاجتماعي ضرورياً بين الجيران والضيوف وحين ترغب الزوجة في إبراز مهارتها العالية في الطبخ بمساعدة أمها الجليلة الوقورة التي شبهناها آنفاً بطاولة طعام المنزل.

اليوم.. مثلي كغيري الكثيرين حين أسألهم عن طاولة الطعام، لا يجيبونك عن محبة:

- يا أخي.. هي موجودة في البيت.. وغير موجودة.

- لا أعرف ماذا دهاني كي اشترى تلك الطاولة التي تشبه الكتل الصخرية الكبيرة.

- برودتها تذكرني ببرودة طاولات الكنائس التي تبقى لأسبوع بأكمله وحيدة.

- والله منذ دخلت البيت ما أحد أكل عليها أو تذكرها بخير.

- تعرف أن زوجتي حلفت عليّ أنها لن تدخل البيت إذا ما دخلت طاولة الطعام فيه قبلها، واليوم هي تنظفها كل أسبوع من غير أن يسمي عليها أحد.

- يا أخي.. لما أشوف طاولة الطعام محتلة كل هذا المكان، أتذكر دبابة معطوبة من زمن الحرب، متروكة أمام باب المنزل، ولا أحد يرغب فيها أو المراجعة بشأنها.

- والله وبعد هذه العشرة الطويلة معها، وعن بعد، لا فرق عندي بينها وبين خالتي.

- يا أخي.. عندي شعور عميق أنها غير ضرورية مطلقاً في الحياة.

- تعرف.. حاولت أن أحب شيئين في هذا المنزل ولم أستطع، هذه الطاولة الباركة على نَفَسي، وتلك العجوز الباركة على صدري منذ أن قالت لابنتها أنها لا تستطيع مفارقة أحفادها.

- تعرف.. هذه الطاولة، بماذا تذكرني، بأن الحكومة مرسلة جثة لتبقى معك في البيت تراقبك، لا تعرف ما هو عملها بالضبط.

- طاولة الطعام.. هي مثل بعض النساء تحتاجها في يوم، في ظرف، في وقت محدد، بعدها تشعر بعطرها يملؤك كلك، وتريد الانصراف إلى أي جهة كانت، بعيداً عنها.

- شيئان مهمان وعظيمان في البيت، طاولة الطعام والثلاجة.. هكذا قال ابن بختيشوع.

تذكرت تلك الآراء وأنا أقف متسمراً أمام طاولة الطعام الخشبية التي تشعر أنها اجتثت من سفينة قبل تكهينها والتي كان في لحظات الشراء قبل سنوات كل شيء فيها يساوي قيمة، سنة صنعها وتوقيع صانعها ومن أكل عليها وجودة خشبها وخلوها من المسامير وبراعة النجار، ووزنها بالأطنان.

واليوم.. كيف ننقلها إلى المكان الجديد؟ وظهور كل العيوب الجديدة فيها (حسب أقوال سهيلة وأخواتها): الطاولة كلاسيكية والأثاث ''مودرن'' لونها بني قاتم مثل خشب منزل فقير اسكتلندي، الصحون والملاعق الـ''كريستوفال'' لا تتناسب معها، الكاسات الكريستال البوهيمي ستتجرّح إذا ما وضعت على هذه الطاولة العجوز، الباركيه.. الباركيه حبيبي.. مستحيل أخلي عليه أرجل هذه الطاولة التي تشبه المدامك أو مدافع القلاع القديمة، اسمع.. إذا ما دخلت هذه الطاولة الأثرية بيتنا الزجاجي الأنيق، فستخيفه وتخيف الأولاد.

بقيت وحيداً مع حماتي الخشبية العتيقة متفكراً وشارداً ماذا أفعل وكيف؟! رغم أنني لم أكن صاحب الاقتراح قبل أعوام طويلة بإدخالها إلى منزل الزوجية غير السعيد.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال