• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م
2016-12-10
يشبهون أبوابهم.. وتشبههم
2016-12-09
تذكرة.. وحقيبة سفر
2016-12-08
خميسيات
2016-12-07
التنسك في الألوان
2016-12-06
معانٍ من السعادة بسيطة
2016-12-05
ساعات ضائعة من عمرها
2016-12-04
نوبل.. تلك النافذة الكبيرة
مقالات أخرى للكاتب

تذكرة.. وحقيبة سفر- -2

تاريخ النشر: السبت 21 نوفمبر 2015

كنا أربعة أصدقاء في إجازتهم الصيفية، تخلف عنا الرابع في المغرب، وغامر الثلاثة نحو إسبانيا وتونس ومصر، كنا في أواخر السبعينيات، ونمشي على العمى، وحب المعرفة، وشقاوة العود الأخضر، استقللنا قطار مدريد القديم ليلاً، وظل يخضنا، وبنوم متقلب حتى أوصلنا مع شقوق ضوء الصبح إلى تلك العاصمة التي لا يمكن إلا أن تحبها، دبرنا فندقاً بائساً في شارع «خوسيه أنطونيو»، واستقبلتنا شوارع مدريد بكلام إنجليزي لا يفهمه الإسبان، وبإسبانية خجولة سأتعلق بها، كحب لا أود أن أبرأ منه، وفي ساحة «بلاثا مايور» توقفنا عند الرسامين الذين يكدون، ويبيعون شغاف أنين صدورهم، لسواح يظلون يقايضون ببرود على الـ«بيزتا» وكسرها، دون أن يعرفوا بصدق غرفة ذلك الرسام، وكيف رئتاه تتعبان من الرطوبة الساكنة الجدران، وأن رغيفاً من خبز بائت سيسند ركبه حتى انقضاء ذلك النهار الطويل، وكم تسعده زجاجة «الفينو روخو»، كان من بين أولئك الرسامين الذين يفرشون رسوماتهم شخص أعرفه بعمق، فمدرس الفن ومدرس الرياضيات لا يمكن أن تغيبهما الذاكرة، وأحد أحبه، ويمكن أن يصبح صديقاً، والآخر يبغضني، ولا أتحمل مدة حصته التي تتطاير منها الأرقام، والأحرف المتخشبة، كسين وصاد، كان الوجه لمدرس الفن في صفوفنا الإعدادية، كان يومها شاباً صغيراً لا يكبرنا كثيراً، جاء من بغداد حينما رأى بغداد تتدنس، مكث سنوات قليلة في أبوظبي، حينما كانت أبوظبي تتشكل، ثم كان طيرانه إلى مدريد حيث سيكون قدره المكوث والتنقل، «عامر البياتي»، كان فرجاً، ومفتاحاً لرؤية إسبانيا بعيون عربية، تفرح بتلك الأماكن الدافئة بزفرات العربي، وسكبات من دمع سخين، حين تتراءى لها فجائع الدهر أنواعاً منوعة، وللزمان مسرات وأحزان، أتذكر الآن دمع ذلك الطالب في قرطبة ومسجدها، في الحمراء، وقصرها، وحدائق جنات العريف، في أشبيلية ومئذنتها «الأريخالدا»، في طليطلة، وبلد الوليد، سيكون الأندلس ومزاراته، وموسيقى ليله، دوره المظللة بروائح الفل العربي والياسمين، تلك القناطر التي تتقوس كشجن يعتصر القلب، وكوداع لا تريده أن يصير، تتداعى للرأس فتاة في ثوبها الأندلسي الحريري، كأيقونة من زمن جميل، تلملم ضياعك بقراطيس في يدها، ونون وقلم، تسكب في الأذن نغمة من مقامات الصبا، وفي الفم نهاوند من زمان، وعنب وتين ورمان.

غامرت باتجاه جغرافيا لا أعرفها، وتاريخ متسربل به، حد الوجع، وحد الوجد، وحد بكاء سبقتني إليه عائشة العربية الحرة، مؤنبة وليدها عبدالله الصغير الذي أضاع ملكاً لم يحافظ عليه كالرجال!

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا