• السبت غرة رمضان 1438هـ - 27 مايو 2017م
2017-05-27
مقابسات رمضان
2017-05-26
تذكرة.. وحقيبة سفر
2017-05-25
خميسيات
2017-05-24
الإيمان.. وعمارة الأرض
2017-05-23
ضحكات.. من كان «2»
2017-05-22
ضحكات.. من كان (1)
2017-05-21
تذكرة.. وحقيبة سفر -3-
مقالات أخرى للكاتب

نعود.. ونتذكر

تاريخ النشر: الأربعاء 16 مارس 2016

حين تحلّ على مدينة بين وداعها بالأمس، ولقائها اليوم تقضت خمس وعشرين سنة، يصعب اللقاء الجديد، وتسحبك إلى قاع ذكرياتها، وتلزمك بصمتها المجبر عليه، فتغدو كناسك ملّ من كل شيء إلا السكينة والهدوء، ومحاورة النفس، هكذا هي «بومبي» التي عرفتها، وها هي «مومباي» التي لا تعرفها، تغير كل شيء حتى اسمها، لكن ما أن تبدأ أولى خطواتك في طرقها الجديدة، تجرك الأسفار الأولى إلى مكامن الفرح، واللقاءات الجميلة، هنا تذوقت أكلة «برياني حيدر بادي» ما تزال نكهته، ورائحته في الأنف، وما زال طعمه في الحلق، في ذاك المطعم الذي شاخ كثيراً تعرفت لأول مرة على تلك الخبزة الطريّة اللينة «رمالي روتي» بحيث لم تجدها غير في تلك المدينة الضاجّة بكل شيء، وفي ذلك المطعم «دلهي دربار» الذي شاخ كثيراً، تتذكر بحزن ذلك الحي الفقير حد وجع العظم، حين أجبرك فجر متأخر أن تستقبل صباحك بفنجان شاي بالحليب، خليط بالزعفران «تشاي دود باني كمتي»، وظلت مشاركة الناس البسطاء متعة فطورهم في صحن نحاسي تحمله بين يديك على دكة إسمنتية قاسية، تمتد الخطى باتجاه «مومباي» التي أكلت من ملامح «بومبي»، لكنها لا تجعلك تستمتع بوقتك الراهن، وقتها الذي مضى هو الذي يتسيد الرأس، باحثاً عن أمكنة زلقة ظللت تتبعها، منتقياً لحذائك اللامع أماكن لم يغمرها الماء بعد، كم شقيت بتلك الرجل اليمنى العرجاء، أو كم أشقيتها دافعة جثتك الزائد وزنها نحو مخابئ تنشد «القوالي» ليلا، وتنضح بالعرق الأنثوي، وبعض عطرهن الرخيص، تتذكر أسماء بعينها، أنت الذي كنت تعتقد أنها غابت مع الوقت، ونسيتها حياتك المشتتة بين زوايا العالم، وجهاته الأربع، لما حضرت الآن، وفي أولى ساعات «مومباي» التي تدخلها في طورها الذي لم تخبره، ما أبعد السنين، وأحياناً ما أقصرها، ترى هل شاخت تلك الوجوه النضرة يومها؟ كيف هي في عمرها الجديد؟ ما أصعب انثيالات الحياة حين تهجم عليك دفعة واحدة! لما هنا الناس يشيخون سريعاً؟ وتتغير ملامحهم حد التلاشي والعدم، يا.. آه كم كبر ذلك السائق، وكم زادت مشكلاته مع الحياة، كم بعض الوجوه صامدة في وجه الحياة، وفي وجه الوظيفة، لا تريد أن تترجل إلا ببدلة الشغل، حتى بوّاب الفندق العتيق «السيخ» مشطّ البياض لحيته المرسلة، وحدهم التجار الهنود ما زالوا بطبيعتهم التجارية «البانيانية» الربوية، يربحون، ويشيخون في دكاكينهم ذات الرائحة الكتانية الرطبة، والتي تعطيها تلك المروحة المخلصة في دورانها المتكاسل بؤس الوبر المبتل...

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا