• السبت 27 ربيع الأول 1439هـ - 16 ديسمبر 2017م
2017-12-16
تذكرة.. وحقيبة سفر - 2
2017-12-15
تذكرة.. وحقيبة سفر -1-
2017-12-14
خميسيات
2017-12-13
خذوا الحكمة من الصين
2017-12-12
المصداقية أم الشفافية
2017-12-11
«مندوس الصَرّتي»
2017-12-10
رأيت رجلاً سعيداً..
مقالات أخرى للكاتب

استراحة الجمعة

تاريخ النشر: الجمعة 02 مارس 2007

في مطلع عام 1980 م وخلال الإجازة الأولى للسنة الجامعية الأولى، قذفت بنفسي في تجربة رحلة جماعية منظمة إلى جنوب شرق آسيا: ماليزيا وتايلاند والفليبين وهونج كونج، وألزمت نفسي ببرنامج وانضباطية الرحلات الجماعية وما تتطلبه من رقص على إيقاع الوقت، لأنها تضم أطيافاً مختلفة من الشعوب الأوروبية والأمريكية والآسيوية، ولا مجال للدلع والكسل أو رأسي يؤلمني، أو والله البارحة ما رقدت زين أو اسمحوا لي سرقني الوقت، كان شعار هذه الرحلات مثل شعار الكشافة، كن مستعداً على الدوام، والوقت وقت الجميع والواحد من أجل الكل.

كانت التجربة الأولى لفتى ظل يعشق حرية الاختلاف واختلاف الحياة، ففي مثل هذه الرحلات لا تمتلك صديقاً تعرفه غير أمنيات بخلق صداقات جديدة أو رفقاء سفر لم يختاروك ولم تخترهم، وقد يختلفون من بلد إلى بلد.

اليوم حين أحصي فوائد مثل تلك الرحلة في مختلف تلك البلدان أجد نفسي مديناً لأناس كثيرين، على الأقل تعلمت منهم أشياء كثيرة وجميلة وكسبت صداقات عديدة، بعضها امتد لفترات بعيدة، وبعضها اكتفى ببطاقات معايدة ومناسبات تصل بين الحين والآخر، والبعض منها كان عهدي بها حين تبادلنا قُبل الوداع.

هذه الرحلات علمتني أن الانضباط لا يمنع اللهو، والمرح لا يلغي الالتزام، والجدية تطلب في وقتها، وأن للحياة معاني كثيرة على الإنسان أن يبحث عنها ويطلبها إن عزّت عليه، تعلمت أن الشعوب الأخرى تملك مقومات حياتها وإرثها وتقاليدها، وأن لا مجال أن نلغيها لمجرد الاختلاف معها في دين أو عرق، وأن لا مجال لسخرية الاستهزاء من أناس نعتقد أنهم أقصر منا وأفقر منا وأجهل منا وأقبح منا، ونستطيع حتى أن نرميهم في نار جهنم لأنهم يختلفون عنا، وهم قد يفوقوننا معرفة ويفوقوننا إرثاً وحضارة، ولا يأبهون كثيراً لنمطية تفكيرنا وانغلاق رؤوسنا وتحجّر عقولنا.

عرفت أن الإنجليزي يشقى ليوفر ثمن تلك الرحلة الجميلة ليعيشها كما ينبغي أن يعيش لحظاته الأخيرة أو كأنها الأخيرة، وأن الأمريكي يقترض ثمن رحلة من العمر ربما لا تتكرر، وأن العجائز الأستراليات يخرجن ما جمعنه في الأيام الطويلة، وأن موظفاً في محطة للقطارات في سويسرا ظل يخطط لمثل هذه الرحلة السنوية، وأنه قد يعمل حمالاً أو موزع مشروبات أو محصل تذاكر لكي يعيش ملكاً حراً في رحلة تبقى ذكرياتها عالقة إلى الأبد، ويتزود من معاشرة الشعوب وثقافتها ما كان يجهله، لقد كانت وما زالت طبيعة هؤلاء الناس التجريب والتعامل بكل الحواس مع الأشياء الجديدة عليهم، لقد ضمت تلك الرحلات عرساناً جدداً لا ندري هل ظلت المسائل صامدة حتى اليوم، أم فرقتهم السبل والأهواء والمصالح، وأزواجاً أمضوا فترة الأعمال الشاقة الزوجية، ولا ندري أيضاً إن كانوا لا يزالون ضمن قطار السفر أو ودعوا أنفسهم وأصدقاءهم في المحطات الأخيرة..

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال